“أم محمد”.. 20 عاما من الصبر مع النجارة ودهان الحوائط

الخرطوم:ايلفن نيوز

0
SHARES
0
VIEWS

تقف أمام كومة من الأخشاب ويداها تقبض على آلات تقطيعها، ترفع وتنزل بالمنشار وهي تطبق شفتيها بحسم، نظرات عينيها صارمة في إصرار على إتقان مهنتها التي تعد من السيدات النادرات فيها.

أم محمد الدمياطي“، سيدة في محافظة الأقصر جنوبي مصر، صاحبة ورشة لتصنيع الأثاث، التقاها موقع “سكاي نيوز عربية” للكشف عما دفعها لدخول هذه المهنة الشاقة، حتى إن المحيطين بها يعتبرونها أول سيدة يرونها تعمل فيها.

وتجيب، وعيناها تنظر إلى الأمام، تاركة خلفها أوجاعها: “زوجي توفي قبل ما يكبر أولادي الأربعة، وقضيت 20 سنة أشتغل في النجارة، وعلمتها لأولادي من صغرهم، ونحضر كل يوم للورشة الساعة 7 صباحا، ونظل نعمل حتى منتصف الليل”.

أم محمد لم تقم بتعليم أبنائها فقط، بل من يعملون معها من الصنايعية (الحرفيين)، فحرصت على تنشئتهم حتى كبروا، وشربوا منها تفاصيل الشغلانة، حسب تعبيرها.

هذا العدد من “الصنايعية” ساعدها في أن تكون ورشتها أول ورشة في منطقتها السكنية تصنع الأثاث على الطراز الحديث، بالأيدي والطرق القديمة، لأنها لم تتمكن بعد من شراء معدات حديثة.

أم محمد لا تعمل فقط في النجارة، لكنها تعلمت أيضا النقاشة وتلوين جدران المنازل لزيادة دخلها.

وتقول، بابتسامة يعلوها الشقاء: “ولادي معلماهم كمان شغلانة الدهانات، وبنشطب أوض (غرف) النوم، وبسلمها متشطبة آخر تمام”.

وأكبر أمنية لأم محمد أن تنتقل لمكان أوسع يستوعب العمل، ويحافظ على ما فيه من أخشاب، ويسهل حركة الصنايعية، وتزينه ماكينات حديثة توفر الوقت والجهد، فتقول: “عايزة مكن جديد، نقدر نشتغل فيه بأمان، أنا كل يوم وأنا ومروحة البيت بقول استودعت مال الناس أمانة يا رب من الخطر”.

تأثير المهن الشاقة

الدكتور طه أبو حسين، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية في جامعة الأزهر، وخبير اجتماعي في الجامعة الأميركية، يعلق على حالة أم محمد بأن “هناك مهنا شاقة لا يستطيع أن يقوم بها الرجل، وتقوم بها السيدات مثل الحمل والإرضاع وشؤون المنزل، لما حباهن الله من قدرة على تحملها”.

غير أنه اعتبر أن امتهان السيدات للمهن الشاقة مثل النجارة والنقاشة “يؤثر سلبا على شخصية المرأة وتكوينها الجسدي والنفسي مع مرور الوقت، ويجعلها أكثر ميلا للخشونة في تعاملها مع أبنائها وزوجها”.

وقد تضطر المرأة لخوض هذه الأعمال لوفاة زوجها أو عدم وجود بديل، ولكن حسين يرى أنه حرصا على طبيعتها، يجب أن تتجه للمهن التي تناسب تكوينها الجسماني والعصبي حتى تحافظ على روحها الأنثوية، مضيفا: “المهن الشاقة مثل النجارة تحتاج إلى عضلات لا توجد سوى في أجساد الرجال”.

في المقابل، تعتبر الدكتورة هدى زكريا، أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة الزقازيق، أن امتهان السيدات للمهن الشاقة مثل العتالة وتقطيع الأخشاب وغيرهما ليست مفاجأة، معتبرة أنها أمر معتاد في القبائل الإفريقية والآسيوية والبدوية، حيث تعمل السيدات في إحضار الماء من البئر من مسافات بعيدة، أو يدرن طاحونة ثقيلة للغاية.

وأشارت لدراسات حول بعض القبائل بأن السيدات يذهبن للصيد بينما يظل الرجال في المنزل لتربية الأطفال، وفي مصر بعض السيدات يذهبن للحقول ويعدن لاستكمال أعمال المنزل.

وترفض أستاذة علم الاجتماع السياسي فكرة أن هناك مهنا مخصصة للنساء وأخرى للرجال، وأن تبديل المهن يغير من الطبيعة والشخصية، قائلة: “رغم امتهان السيدات أعمالا شاقة لا تزال السيطرة في يد الرجل، ولم يتأثر في شخصيته جراء ذلك، وما يحدث حاليا من تقاسم الأدوار بالصورة النمطية المعروفة ما هو إلا أوهام”.

Next Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.